الشيخ محمد رشيد رضا
278
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المغناطيس إلها يعظم تعظيما دينيا لما فيه من المزية ، والشمس ذات النور والحرارة ليست إلها ولا ربا للسيارات التابعة لها ولا لغيرهن ، بل هي مسخرة مثلهن للسنن العامة في نظام الكون ، كذلك القوي في جسمه أو عقله ليس إلها للضعيف يدعوه هذا ويذل له ويستخذي امامه ، وواسع العلم ليس ربا لقليل العلم يشرع له ويحلل ويحرم وما على الاخر الا الطاعة ، كذلك من ظهر منه أمر خارق للعادة المألوفة لا يجب رفعه على غيره والخضوع له تعبدا سواء كان ذلك بعلم انفرد به أو حيلة وهو السحر أو باتفاق أو بقوة روحية ومنه ما يسمونه كرامة ، وغايته انه امتاز على بعض الناس كامتياز القوي على الضعيف والذكي على البليد وهو لا يكون بذلك ربا ولا إلها ، ولا خارجا عن سنن الكون ، بل كل عبيد مسخرون لسنن اللّه تعالى ويستفيدون منها بقدر علمهم وطاقتهم واجتهادهم ، ويكلفون طاعة اللّه تعالى وحده بحسب ما تصل اليه أفهامهم في شرعه لا يجب على أحد منهم ان يعمل باعتقاد غيره ولا برأيه ، نعم انهم يتعاونون في الاعمال وفي العلوم فقوي البدن يكون أكثر نفعا للآخرين بقوته البدنية وهو عبد مثلهم لا يقدسونه ولا يرفعون مرتبته عن البشرية التي يشاركهم فيها ، وقوي العقل يكون أكثر نفعا برأيه وتدبيره ولا يرتفع بذلك على غيره ارتفاعا قدسيا ، ومن كان أكثر تحصيلا للعلم يفيض من علمه على الطلاب وليس على أحد منهم أن يعمل برأيه ولا بفهمه الا إذا ظهر له انه الحق وصار علما له واعتقادا وعند ذلك يكون عاملا باعتقاد نفسه الذي حصله بمساعدة أستاذه لا باعتقاد أستاذه ولا برأيه . وإذا كان الموحد لا يطيع أمر الرسول لذاته بل لأنه مبلغ عمن أرسله فكيف يجوز له ان يطيع أمر من دونه لذاته ويعمل به من غير أن يثبت عنده أنه امر من اللّه تعالى ؟ هذا هو مقام التوحيد الاعلى الذي جاء به الرسل وهو مناط السعادة في الدارين وليس لقبا من ألقاب الشرف أو لفظا من الالفاظ التي توضع للفصل بين جماعات الناس ، على سبيل العرف والاصطلاح ، فالتوحيد والايمان والاسلام لها في هذا الزمان إطلاق عرفي اصطلاحي فيطلق اللفظ منها على أناس لا يفهمون شيئا من معانيها الشرعية ولا تصدق عليهم مدلولاتها ، ولا تنطبق عليهم آياتها ، ولم ينالوا ما بينه